القاضي التنوخي
183
الفرج بعد الشدة
الكوز إناء من الفخّار ، شائع الاستعمال في بغداد ، يشبه الإبريق ، إلّا أنّه من دون البلبلة ، أي القناة الصغيرة التي يصبّ منها الماء ، وتسمّيه العامّة : تنكه ، بالكاف الفارسية ، معرّبة عن الفارسية : تنك ، أي الكوز ، والفخّار الذي يجهّز لتصفية الماء وشربه ببغداد ، على أشكال مختلفة ، فالزير ، ويسمونه الحبّ ، وهي فصيحة ، يصبّ فيه الماء الكدر ، فيقطر الماء الصافي من أسفله إلى إناء من الفخّار ، يسمّونه : بوّاقة ، تلفظ القاف كافا فارسية على طريقة البغداديين ، والكلمة فصيحة ، من باق : أي سرق ، كأنّها تسرق الماء من الحبّ ، نقطة نقطة ، فإذا امتلأت البوّاقة ، صبّ ماؤها في الجرّة ليبرد ، ومنها إلى الكوز حيث يكون معدّا للشرب ، فإمّا أن يشرب من الكوز ، أو يصبّ في كأس يسمّى شربة ( الغيث المسجم في شرح لامية العجم 2 / 261 ) ، أو حبّانة ، يختلف اسمه باختلاف شكله ، وصانعو الفخّار يجتهدون في اختيار التراب المناسب لصنعه ، ويغالون فيه ، إذ ليس كلّ تراب صالحا ليكون فخّارا جيّدا ، فان وجدوا التراب المناسب ، سلّطوا عليه الماء ، وأجادوا مرسه بأيديهم ، كيلا يبقى فيه أيّ أثر للمواد المالحة ، حتى أنّ بعضهم كان يرمي بخاتمه في الطين ، ويطلب من عمّاله أن يبحثوا عنه ، وأن يعيدوه إليه ، فيكلّفهم هذا البحث ، أن يمرسوا بأصابعهم كلّ حفنة من الطين ، فإذا تمّ تنظيفه ، وتخميره ، صنع على مختلف الأشكال ، وأودع في موقد يشوى فيه ، وهذا الموقد يسمّيه البغداديون : الكورة ، فصيحة وهو اسم المحجرة من الطين ، فإذا تمّ شيّه ، أصبح صالحا للاستعمال ، واستعمال الكوز ، إذا كان جيّد الطين ، حسن الصنع ، من طيّبات الدنيا ، وخاصّة إذا رشّ عليه ، قبل استعماله ، قطرات من ماء الورد ، فإنّ شرب الماء في الكوز ، يكسبه طعما لذيذا ، لا يقدّره إلّا من ذاقه ، ومما يبعث على الأسف انّ استعمال الكوز ، يكاد أن ينقرض ، لشيوع الكهرباء والثلّاجات ، قال أبو إسحاق الصابي يتشوّق إلى شرب ماء الكوز ببغداد ( معجم البلدان 1 / 648 ) : لهف ، نفس على المقام ببغدا * د وشربي من ماء كوز بثلج نحن بالبصرة الذميمة نسقى * شرّ سقيا من مائها الأترجّي أصفر منكر ثقيل غليظ * خاثر مثل حقنة القولنج كيف نرضى بشربه وبخير * منه في كنف أرضنا نستنجي